تاريخياً عرف السودان تعدين الذهب منذ عهد الممالك الفرعونية في القرن الثالث قبل الميلاد. توالت وتيرة النشاط منذ ذلك الحين مروراً بعهد ممالك نبتة وكوش في الصحراء النوبية وجبال البحر الأحمر. تلت تلك الحقب نشاط قبائل البجا والعرب المهاجرين والنوبيين في تعدين الذهب متقفيين آثار التعدين الفرعونية. هنالك نشاط تعدين مماثل للذهب بمناطق بني شنقول ربما يمتد لأكثر من (200) سنة على تخوم الحدود السودانية الاثيوبية بما يُعرف الآن بجنوب النيل الأزرق

تشير الدراسات إلى أن تعدين الذهب على نحو حديث لم يبدأ إلا في بدايات القرن التاسع عشر في جبال البحر الأحمر والصحراء النوبية. كذلك بدأ خديوي مصر العثماني حملته لجمع معدن الذهب من جبال بني شنقول في ذات الفترة، وامتد البحث حتى جبال شيبون بجبال النوبة في جنوب كردفان. وقد شهدت هذه الحقبة تعدين الذهب بحجم كبير ومكثف بالسودان الشمالي
تعدين الذهب في العصر الحديث: في الفترة بين 1900 إلى 1953 شهد تعدين الذهب بالبلاد نشاطاً كثيفاً بدخول الآلات والتقنيات الحديثة التي أدخلها البريطانيون. تشير الإحصائيات لإنتاج أكثر من (10) طن ذهب خلال الفترة المذكورة. في المقابل ليست هنالك إحصائيات عن نشاط تعدين الذهب الأهلي بالبلاد، وذلك يعزى إلى طبيعة النشاط المتقطع والمتنقل وذو الإنتشار الكبير في الريف والصحراء. في خلال العشرين عاماً الماضية إرتفعت وتيرة تعدين الذهب الأهلي كنشاط موازي للأنشطة التقليدية الأخرى كالزراعة والرعي بالريف. وبما أن المواسم الزراعية متذبذبة في السنوات العشرة الأخيرة وأحياناً فاشلة، فإن آلافاً من المواطنين إتجهوا إلى تعدين الذهب، ليس هنالك إحصائيات دقيقة لكن يُقدر عدد المعدنين الأهليين بأكثر من خمسمائة ألف معدن.

يعزى إنتشار هذا النشاط إلى إرتفاع أسعار الذهب عالمياً وتحسن البنيات التحتية بالبلاد من إتصالات وطرق وغيرها. وقد ساهم هذا النشاط في إتاحة فرص عمل للمواطنين مما ساعد في محاربة الفقر، ونسبةً لأهمية الذهب في هذه المرحلة لابد من تنظيمه وضبطه حفاظاً على البيئة والموارد وحفظ حقوق الأجيال القادمة ورفعاً لقدرات الـمُـعدن الأهلي ومنعاً للتغول على مناطق إمتياز الشركات. بالرغم من أن نشاط تعدين الذهب الأهلي معروف منذ قرونٍ في السودان، ما زالت الأدوات والآلات المستخدمة في النشاط بدائية ولم تتعدي أدوات الحفر الأولية واستخدام الأقداح الخشبية ومؤخراً صحون وتشط الألمونيوم لغسيل خام الذهب بالماء وتركيزه ثم التقاط الحبيبات. في هذه العمليات وما تلتها من تطوير باستخدام الزئبق لالتقاط الذهب الناعم، لم يتراوح عائد الغربلة أكثر من (30-40%) من الذهب الموجود في الخام. حتى مع دخول الطواحين كعامل مساعد لم تتعدى نسبة الذهب المستخلص عن (50%) في الخام. رغم هذه البدائية وعشوائية الإنتاج فان الذهب المنتج لا يستهان به. وهناك سلسلة طويلة ومعقدة نوعاً ما لعلاقات الإنتاج- التسويق، حيث دخل الوسطاء وتجار الذهب في الحلقة وأصبحوا يمولون عمليات الإنتاج، في نهاية العام 2009م دخلت أجهزة كاشف المعادن ( Metal Detector) كأداة مهمة في حلقة الإنتاج التقليدي للذهب. الآن هنالك مئات المواطنين يبحثون عن حبات المعدن في الصحراء النوبية وغرب جبال البحر الأحمر وشمال وجنوب كردفان في مواقع مرخصة أصلاً لشركات التعدين، والجدير بالذكر أن كل هذه العمليات تتم خارج إطار قانون تنمية الثروة المعدنية (2007م

الأثــر الإيجــابــي للتعديـــن الأهلــــي: • التعدين الأهلي يعمل على خلق فرص عمل وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين مما يساعد على محاربة الفقر. • تصدير الذهب يوفر العملات الأجنبية كما يساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي. • يعمل على زيادة رقعة الاستكشاف وتوفير مؤشرات مهمة مخفية للتمعدن. • تحييد وتخفيف حدة بؤر التوتر السياسي ويعزز من جهود فض النزاعات. • تشكل مواقع التعدين الأهلي بوتقات صهر اجتماعي (إثني وجهوي وثقافي). لذلك لابد من البحث عن توازن بين الفوائد المذكورة والإضرار الناجمة عنه، وهذا الأمر يحتاج إلى تضافر الجهود لتطوير هذا القطاع على نحو أمثل

تابعونا على